الثلاثاء. مايو 26th, 2020

من فردوس محمد إلى الآنسة فرح.. كيف تغيّر دور الأم في السينما المصرية؟


ياسمين عادل

رغم كل ما يدور في العالم من حولنا، فإننا لا نستطيع تجاهل “يوم الأم”، وهو مناسبة تنتظرها الكثير من النساء لا لرد العطاء، وإنما لجني ثمرة ما بذلنه عن حب مع فلذات أكبادهن والاستمتاع بوجودهم من حولهن “عزوة وسند”.

وإن كنا قد تربينا على أنماط معينة للأمهات خلدتها السينما حتى صارت متوقعة ومستهلكة مع مرور الوقت، لكن مثلما يتغير كل شيء من حولنا، تغيرت طبيعة أدوار الأمهات تغيرا واضحا خلال السنوات الأخيرة، وهو ما سنحاول رصده هنا للوقوف على الفارق بين أدوار الأم في السينما والدراما المصرية بين الماضي والحاضر.

الميلودراما
بالنظر إلى أشهر نماذج الأمهات التي قدمت بالخمسينيات والستينيات، يمكننا وضع الفنانة الراحلة أمينة رزق وفردوس محمد على رأس القائمة، إذ اعتادتا تقديم دور الأم الحنونة التي تملك قلبا من ذهب لا يعرف الغضب أو العتاب مقدمة كل ما في وسعها لأبنائها، وإن اعتادت فعل ذلك بشيء من الميلودراما والانسحاق.

على الشاكلة نفسها، سارت العديد من ممثلات فيلم الأبيض والأسود مثل عزيزة حلمي وآمال زايد، لكن ذلك لا ينفي وجود بعض النجمات اللاتي غردن خارج السرب وقدمن نمطا آخر من الأمهات، تألقن خلاله واستمررن في لعبه طوال مشوارهن.

ومن بين تلك الممثلات عقيلة راتب التي قدمت دور الأم بالكثير من الخفة والبساطة كما في “عائلة زيزي” و”ليلة الزفاف” وغيرهما من الأفلام، وهناك أيضا ماري منيب التي احترفت دور الأم التي تهتم بصالح أبنائها لدرجة خانقة تجعلها تتحول إلى حماة تعذب زوجات وأزواج أولادها، وهو ما قدمته بشيء من الكوميديا جعل الجمهور يغفر لها قسوتها ويقبل منها عيوبها كما جاء في أفلام مثل “حكاية جواز” و”هذا هو الحب”.

على عكس أمهات قاسيات أخريات مارسن تسلطهن عن قناعة، وتخصصت في تقديم تلك الفئة زوزو ماضي ودولت أبيض وعلوية جميل، ويبدو أنهن أجدن أدوارهن للدرجة التي أقنعت المشاهدين حد النفور منهن مسبقا وعلى الدوام.

الكوميديا
في السبعينيات والثمانينيات تربعت كريمة مختار على عرش الأمومة في خلطة مدهشة جمعت بين الطيبة والحنان المطلق مع خفة ظل لا مثيل لها، وهو ما فعلته بآداء سهل ممتنع أقنع المشاهدين بأن تلك على الأغلب شخصيتها الحقيقية كأم.

شاهدنا ذلك بأفلام مثل “يا رب ولد” و”الحفيد” و”أميرة حبي أنا” و”بالوالدين إحسانا”، ومع تقدمها في العمر لم تزد إلا تخضرما بأمومتها ليصبح آخر ما تركته في ذاكرة محبيها دورها الأيقوني كــ”ماما نونا” في مسلسل “يتربي في عزو”، ودورها في فيلم “الفرح” الذي ترك أثرا واضحا لدى الجميع رغم كونه ثانويا.

الواقع يفرض نفسه
مع منتصف الثمانينيات ودخول التسعينيات، بدأت نجمات زمن الأبيض والأسود قبول دور الأم بعد أن تقدم بهن العمر، إلا أن الطريق الذي اخترنه لتجسيد ذلك اختلف عما انتهجه الجيل الأسبق، ففضلن الاتجاه للواقعية وكشف وجه آخر للأمومة أكثر صدقا. 

لنشاهد لأول مرة بوضوح تجربة الأم التي فرضت عليها الظروف أن تحمل الجميع على عاتقها وتتصدى للمسؤولية رغم صعوبة الظروف وضيق العيش، من هؤلاء سعاد حسني في فيلم “غريب في بيتي” و”الراعي والنساء”، ونجلاء فتحي في “سوبر ماركت” و”الجراج”.

الدراما
في أواخر التسعينيات وبدايات الألفية تقلصت المساحة التي منحت للأمهات في السينما، في وقت جاءت فيه أدوارهن في الدراما مساندة للبطل الذكر في رحلته لتحقيق ذاته، لتعود الأمهات من جديد لخانة ربة المنزل التي تعتني بالأسرة وإن كان ذلك لا يعني أن أدوار الأمهات لم تنجح في كسب حب الجمهور.

فشاهدنا عبلة كامل في أحد أفضل أدوارها وشخصية “فاطمة كشري” في “لن أعيش في جلباب أبي”، وسعاد نصر في “يوميات ونيس”، وبسبب هذا التنميط شبه السائد لمعت الأدوار الاستثنائية التي خرجت من الصندوق كما شاهدنا هدى سلطان في “الوتد” و”أرابيسك” تلك الأم التي لها هيبة ووجود لا يمكن أن يتجاوزه أحد.

كذلك قدمت عبلة كامل نموذجا مدهشا للأم في مسلسل “حديث الصباح والمساء”، حيث لعبت دور الشيخة جليلة التي يحسب حسابها الجميع، ورغم كل ما تعرفه ويمكنها تحقيقه فإنها كانت تعامل كل ابن وابنة من أولادها بطريقة خاصة دون تنميط أو ادعاء ولكن بتفرد.

الأمهات لسن ملائكة
استمرت الدراما في توسيع الدائرة التي تشغلها الأمهات خاصة بعد أن كبر جيل آخر من ممثلات الصف الأول وصار من الطبيعي أن يلعبن هذا الدور بعد أن انتهى عهدهن بأدوار الشابات. لكن مع التغير الذي حدث من حولنا وظهور مواقع التواصل الاجتماعي حيث صار العالم قرية صغيرة بالفعل، أخذ صناع الدراما على عاتقهم تقديم الأمهات في ثوب جديد.

فإذا بنا نشاهد نماذج لأمهات عازبات ومطلقات يخضن الحياة بمفردهن دون الخوف من وصم المجتمع لهن، يعترفن بأخطائهن التي ارتكبنها بحق أنفسهن أو حق أبنائهن، أمهات لا يعرفن الحقيقة المطلقة ولا يدعين ذلك، يختبرن الحياة بحلوها ومرها، فيتخبطن تارة وينجين تارة أخرى.

وهو ما قدم بوفرة وتنوع يحسب لصناعه في السنوات الأخيرة، فجاءت النماذج علامات بالدراما، فشاهدنا أنوشكا في “جراند أوتيل”، ومعالي زايد في “موجة حارة”، وسوسن بدر في “أفراح القبة”، وانتصار في “ذات”، ويسرا في “الحساب يجمع”، ودلال عبد العزيز في “سابع جار”، وأخيرا رانيا يوسف في “الآنسة فرح”.


Total Page Visits: 105 - Today Page Visits: 1
%d مدونون معجبون بهذه: